ترى ياعمــار ...أين راح أبوك ؟! .....بقلمي مهند فوده وحسن شقوير ..
31 كانون الأول 2012
في مخيم "أطمــة" على الحدود السورية التركية تقبع خيمتنــا
خيمة كبيرة تضم أربعة أرامل بأطفالهن , الكُل حولنا يحتفي بقدوم عام جديد ..
أجراس كنائس تـدق .. و سماء تضوي بألعاب نارية مبهرة على الجانب التركي ..
و مدن تُـدك جراء القصف ...وحرائق غابات الأرز تضوي في الأفق أيضا على الجانب السوري ..
وبين هؤلاء وهؤلاء (بجوار الأسلاك الشائكة) نحتفي نحن ايضاً بالعام الجديد على طريقتنــا الخاصة ..
ففي أحلك الظروف و بأبسط السبل المتاحة يبحث الأطفال عما يسعدهم, فوحيدي عمار يلهو بالثلوج بالخارج مع أقرانه النازحين من مُدنِهم مثلنا .. فحجم معاناتنــا أكبر من أن يدركه عقل طفل يبلغ من العُمر ستة أعوام , رغم أنه مازال يتذكر جيداً تفاصيل تلك الليلة من العام الماضي ..
كنا نحتفل بها ثلاثتنـــا ..في بيت صغير يضمنا بأربع جدران وسقف بحلب القديمة ..
في كنف رجل كنــا نتدفأ به .. فنتدثر به ويتلحف بنــا ..
وعندما دقت الساعة الثانية عشر ..أطفئنا المصباح وأشعلنــا الشموع ..وأغمضنا عيوننا ..
كلٌ يتمنى من العام الجديد ما يحلو له من الأماني ...
تمنينا كل شيء إلا أن نفترق ...
تمنيت أنا أن يزداد عدد أسرتنا الصغيرة .. فنرزق بأخ أو أخت لعمار لا أن نفقد أبــا عمار ...
عجباً لذلك القدر ..
فبين عام وأخر ...يختفي أناس وتندثر بُلدان ويضيع وطن بأكمله ..
تُفرق الأسر ويشيع مُعيلها ويُشتت أفرادها بين المخيمات ..
رغم أنها هي ذاتها الأجواء الباردة ..هي ذاتها الثلوج التي تَكسي الأرض والأشجار.. هي ذاتها السماء الزاخرة بنجومها ..
ولكن على الخريطة حلب لم تعُد كما كانت مدينة ..أصبحت ذكرى أطلال لمدينة يعتلي رُكام حُطامِها شواهد قبور لمواطنيهــا ..
كانت أم عمــار تستدعي ذكرياتها وهي تراقب عمار من بعيد يقذف بكرات الثلج مع رفقائه ..وما أن انتبه لوجودهــا حتى أشار إليها فابتسمت له ..عندئذ أعلن بوق المخيم حلول الثانية عشر وقدوم عام جديد ...
دخلت أم عمار خيمتها ..
ودنت من أحدى شمعات الخيمة فأطفأتها ..
واتجهت نحو القبلة وجثت على الأرض بركبتيها ...
أغمضت عينيها ورفعت كلتا يديها للسماء ..
حادثت المولى بهمهمات لم نسمعها ...
ولكن رأينا دمعة تنساب بوضوح من إحدى عينيها ..
.
يا صانع القربِ..هل للقرب من رجْعٍ..أم هل توارى خلف الليل واندثرَ
وهناك....حيث الحي والميت، بل هناك....حيث الميت والميت لم أجد حوليَ أحدا..!!
.
إن العين التي ترى بها أم عمار مخيمها كئيباً....يراه الطفل سرحاً مبهجاً يضاهي أحلامه
دفعتها عيناها لتبكي...بينما ترقص عيناه فرحاً لاستقبال فجر عامٍ جديد
عام...ربما سيكتب عنه المؤلفون، وينشد على ويلاته المنشدون !!
عمار...هذا الصغير...وغيره ألوف من بني البشر ذاق ويلات الحرب ذاقها ولكنه لم يستطعمها بعد...فما زال صغيري صغيراً
يوم أن هتكت القذيفة أستار حجرته، وتركت والده أشلاءً مبعثرةً هنا وهناك
يومها....كان ينشد أنشودته المفضلة
يمامة بيضا......ومنين أجيبها
طارت يا نينا......عند صاحبها
أنشودة ربطت جميع ذائقي ويلات الحرب..أطفالا وكبارا....مراهقين وشيوخاً
ولحظة رأى والده مِزَقاً....زرفت عيناه بدمعتين مجاملة لدموع أمه، فصغيري لم يعرف الحزن بعدُ
انطلق بعدها وانطلقت معه نسمات الهواء من حوله تشاركه فرحته المسروقة......ولسان حالها يقول:
علامَ الفرح يابن أمي ؟؟!!
انطلق عمّار وسط حسرة من جميع من بالمشهد...وسط مراقبة مترصدة للصغير الساذج حتى بلغ فتحة منزله التي كانت حاجزا بينه وبين اللاشئ بالخارج
هناك - في اللاشئ - حيث رأته سلمى الصغيرة، صديقته في الحي....صاحبته في المخيم....وحبيبته حسب النبوءة لو أراد الإله ذلك !!
رحماك يا رب
فقد اختلطت الدماء بالرمال...حتى ضاع صفارها الذهبي اللامع...ضاع حتى صار انعكاس الشمس الساقطة عليها يلهب العين احتراقا
ليت شِعْرِي.....من سرق الفرحة...ليت شِعْرِي.....من تلاعب بالأحلام ؟؟
ترى يا عمار....من حوّل لون الرمال هذا ؟؟
ترى يا عمار...أين ذهب أبي من ذي قبل...والآن أين راح أبوك ؟؟!!
تخبرني أمي أنهما أصدقاء منذ الصغر...لم يتفرقا
ترى !!... ألهذا السبب لحق أبوك بأبي ؟؟!!
هنا... حيث لا هناك ولا هنا !!
أقسم عمار بأنه لا يدري، ونبهها إلى بقعة في فستانها الأبيض....وبسرعة....اتجهت بنظرها نحو السماء
فقد أنساها صوت القذيفة بقعة فستانها الجديد !!
ترى يا عمار تلك القذيفة أين مستقرها ؟؟؟!!
ترى يا عمار....أين مستقرها ؟!!
![]()

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق