الأربعاء، 13 مارس 2013

فنجان قهوة على أنغام البيانو






الجــزء الأول  ...بقلم : نهلــة زيدان ..

منذ صافح نسيم الطريق ملامحى عندما خرجت من بيتى ... شعرت بدبيب غريب ينساب فى شرايينى ... لم تكن ملابسى ذلك اليونيفورم الأبيض والأسود كأصابع البيانو التى ألتقيها كل مساء ... أعزف عليها نبضاً جديداً لكل قلب عدا قلبى ... تردد فى عقلى صوت رجل الأمن على باب المقهى الذى أعمل به : (وكأنك سقطت من السماء الليلة) ... فانتشت خطواتى على طول الممر المؤدى لرفيقى المغنى الراقص فى ركن قصي ...
 المكان مزدحم كعادته كل ليلة جمعة ... الطفل الشرعى لأحلام الأسبوع المرهقة ... ابتسامات جميلة ... كؤوس ملونة تنتهى على طاولات تستعمرها ضحكات شباب ... رائحة القهوة المميزة التى تتزاوج مع أشباح رجال معظمهم تجاوز خط الاستمتاع إلى الفهم المزعج للحياة ... ودخان ملون لأطعمة يبدو أنها رسول لرومانسية استبدال الشوكتين بواحدة بين شاب وفتاة ...
 والبيانو لا يعرف الكذب ... حتى وإن لم يكن من يسمعنى عاشقاً للموسيقى فسوف يشعر بأنى أخاطبه وحده ... وحده من أعزف له حتى وإن لم أعرفه ... احترفت التعرف على ما يريدون ... نغمة واحدة بدت اليوم مختلفة حد الخروج عن السرب ... نغمة وسيمة شاردة ... وحيدة فى ألفة ... منسجمة فى حوار هادئ مع فنجان قهوة مرصع بأفكار تمنيت لو كنت جزءاً منها ... كنت أتأمله على استحياء من بعيد ... ورغم أن جسد الزان الأصم للبيانو كان يحجبه عنى إلا أن عيناى عرفت طريقاً لوجهه بين ثقوب الأرابيسك ... وأصابعى تتبع طريقاً آلياً تحفظه على البيانو ...
رسائل موجهة لشخص بعينه هذا المساء ... وجه جديد ... لكنه مختلف حد تغيير حياتى ... أو هكذا شعرت ... انساب صوت النادل المتطفل فى أذنى : (الوجوه الجديدة ليست لنا) ... لا تمر ليلة عادة حتى يشاغلنى المتطفلون ... كلمات سمجة وكروت شخصية متطايرة ... وأنا منكفئة على تلك التوليفة الرمادية ... أحاول تجاهل الضجيج العاطفى داخلى وحولى ... اليوم الأمر مختلف ... هذا الرجل يقدم العالم فى عينيه حتى وإن لم ينظر إليّ ... شئ يشبه قراءة الطالع ... وفى هدوء مقطوعة (مونامور) ... أحسست ببرودة شال الحرير حول عنقى تنساب إلى قلبى ... تمنيت لو أرسلت له رقم هاتفى ... لو دعوته للعشاء أو حتى فنجان قهوته ذاك ... تمنيت لو تماديت فى غيى وطلبت منه أن يهبنى رقصة من حلم ... وتأكدت أنى سأنهال بين يديه شلال من الغيوم المسافرة ... فهو وطن وكل الشلالات تبحث عن وطن ... لكن كيف يمكننى أن أبادر ؟! فحتى مجرد ابتسامة قد تحسب عليّ ... وأنا أريد أن أنقل نسخة أمينة لمشاعر محترمة وليست محرمة ... من قال أن الرجل يجب أن يبدأ ؟! ما الضرر فى أن أقتحم ؟! ... فالفرصة قد لا تتكرر ... وما أشعر به ليس مجرد إعجاب بل تنويم مغناطيسى أسير فيه نحو ما يريد هذا الرجل ...
 وحدى الليلة شربت كأساً مختلفاً حتى الثمالة ... ووحدى راودتتنى أحلام الاستقلال عن حياتى والاندماج بالجنة ... فكل لمسة للفنجان كانت تتحرك على وجنتيّ وكل قطعة سكر سقطت فى حلمى وكل لفتة كانت إعلاناً للحب ... وأخيراً اقترب منى أكثر ... فأكثر ... فأكثر ... ظننت أن الموسيقى أفشت سرى ... لكنه توجه نحو الباب ولم يكترث ... مر كبرق أشعل السماء ثم رحل مخلفاً ليلاً رطباً بالذكرى ...
 توقفت فجأة عن العزف ... ادعيت أن صداعاً أصابنى ... وحين التفتت للصالة وأنا راحلة ... بدا أن أحداً لا يهتم بقطعة الديكور التى غادرت ... وغاص قلبى فى حقيقة أن كل من يأتى هنا لا يرى سوى قطعة ديكور ... أداة للمتعة ...
 أطرقت حتى انتشلتنى ابتسامته الحذرة فجأة على باب المقهى ... لم يكن أحد سوانا يعرف أننا تبادلنا أرقام الهواتف لأننا وجدا الحلم الضال ... فكل من سمعنا فهم أن شاباً يطلب من عازفة البيانو أن تحيى حفلاً ... كم من القصص تبدأ بحجة البزنس ؟! وصافحته ... ترى هل أحس بذات احساسى ؟!! 
                                                                                                                                                                                                 نهلــــــة زيدان

الجــزء الثاني  ...... بقلم : مهنــد فوده

مررت بجانبه مئات المرات ولم يطرق ببالي أن أقتحم أبوابه ...أوأتذوق نكهة القهوة في فنجانه ...واليوم فقط أدركت انه قد فات من عمري الكثير ...وان القهوة التي ارتشفتها فيه ليس لها مثيل ...زاد يقيني من ذلك ..بعد أن حلقت تلك الفراشة بجانبي ومست أجنحتها أوتار قلبي ..قبل أن تختفي بعودها الرقيق خلفه... قبل أن تثبت لي انه سيخضع بضخامته تلك تحت أصابعها ...وستخرج من أصابعه ما يعجز على أن يبدعه سواها ...كنت أود أن أجلس معها عن قرب لأرى بعيني كيف ستروضـــه ..نظرت حولي ابحث عن طاولة أقرب ..وجدتها جميعاً مشغولـــة ...وبقيت على طاولتي ..ألعن حظي ومكاني....
بعيدة هي عن عيناي ...ولكنها حاضرة في أذناي ... لم أدري كم من قوالب السكر وضعت حينما بدأت هي بالعزف على البيانو ...ولا أتذكر سوى أن مذاق نكهته تلك ...لم أعهد مثلها من قبل ... بعد رشفة ورشفة ..شعرت بالقهوة تُسكِرُني رغم أنها ليست بكأس خمر ...لم أعد أرى شيئاً أمامي أبعد من فنجاني ...ولم يعد ضجيج ضحكات من حولي وهمهمات حديثهم يؤثر على إصغائي ...كأنه لا يخترق صمت المقهى سوى مقطوعة تولد للتو من تحت أصابعها ..مولودة حية  تتنفس الحاناً تسحرني......جعلتني أحلق معها بعد أن اختفى فجأة سقف مقهانا ....وخيل إلي أني أسمع صوتها يحادثني على أنغامه ......لقد تركت أصابعه تعزف وحدها كما دربتها مراراً...وجاءت تلبي طلباً قرأته في عيني برقصة لي معها ...تعلقت بذراعي ...وصارت ترقص على وقع خطواتي وأنغامه دون أن تلمس قدماها الأرض كأن أجنحة ترفعها فوق أقدامــي .. مستلمة لي ...ذائبة في أحضاني ....
 على وقع الخطوات الراقصة لم تتحدث شفتانا ...أسرتا الصمت فحكت لي بعضٍ من أسرارها عيناهــا ...ولكن نغمة نشاز صدرت من جيبي .. أفاقتني قبل أن تخبرني عيناها بكل ما تَكِنُه أسرارها....تباً لذلك اللعين الذي أضاعها مني .....
وضعت كل ما طالته أصابع يدي نقوداً من محفظتي ثمناً لما شربته ..ممتن...وعلى يقين أنه أقل كثيراً مما يستحقه فنجان القهوة .. قررت أن أقترب منها ...أن أدعوها ثانية لتكمل معي رقصتها ..أن تَدِّعَه وحده كما عَلمّته يعزف مقطوعتها  ...ولكن شيئاً ما بدل مساري نحوها ...قاد قدمي نحو الباب ..بعد أن همس لي شيطاني عن حقيقة ما جَهلّتهُ بإرادتي ...انها لم تشعر بي ...ولم تراني ...اخبرني أنني كعادتي أهذي وحدي ...أكد لي انهــا سترفض دعوتي ولربمــا تظنني سكير مجنوناً ... ستكرهني حتماً و لابد أنها ستمقتني ...اللعنــة على شيطاني الذي لا يطاوعني ...يسرق إرادتي ويوقف من إقدامي ...كم وددت أن أكون متهوراً ...أن لا أفكر بصوته الذي يدَّعِيه في أذني "عقلاً " وأتبع فقط قلبي وحده...خرجت من باب المقهى يائســـاً ..وقفت ارتكز على جدارٍ بجوار الباب ...أنفث غضبي في سيجارة لم يكن معي حتى ما يوقد شعلتها ...ومع ذلك اشتعلت بمجرد أن لمست شفتاي ...رأيت دخانها يخرج من أنفي ثائراً غاضباً ..لا أدري أن كان حنقاً من فشلاً لا يفارقني ..أو إشفاقاً على أحوالي ...قبل أن يتلاشى الدخان من أمام نظري ..رأيتها مني تقترب ...فقلت لنفسي "ها قد عاد الهذيان وضرب رأسي ".. ورغم ذلك ابتسمت لها منتشياً بقدومها......وقررت سريعاً أن نتبادل أرقام الهواتف قبل أن تتلاشى مع بقايا الدخان وتختفي... ثم شكرتها على كل ما قدمته الليلة من أجلي ...
وتلاشى الدخان ومازالت أمام عيني مجسدة وماثلة أمامي ..وأنا في ذهول يتملكني , أقبلت هي على يدي تصافحها ..فاحتضن كف يدي يدها ليودعها ..ولكن كفي في الحقيقة أراد أن يتأكد من واقعية ملمسها ...
                                                                                              مهنـــد فوده
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق